محمد متولي الشعراوي
1406
تفسير الشعراوى
لقد استثنى الحق الوجه أو الذات الإلهية ، وكل ما عداها هالك . وما دام كل شئ هالكا فمعنى ذلك أن كل شئ كان حيا وإن لم ندرك له حياة . إذن فالحياة الحقيقية توجد في كل شئ بما يناسبه ، مرة تدركها أنت ، ومرة لا تدركها . إذن فقوله الكريم : « وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ » يجوز أن تأخذه مرة بالعرف العام ، أو تأخذه بالعرف الخاص ، أي عرف العلماء ، وما دام ذلك أمرا ظاهرا في الوجود كولوج الليل في النهار ، وولوج النهار في الليل ، أي أن الحق يدخل النهار في الليل ، ويدخل الليل في النهار . وفي اللغة يسمون بطانة الرجل - أي خاصة أصدقائه - « الوليجة » لماذا ؟ لأنها تتداخل فيه ، لأنك إن أردت أن تعرف سر واحد من البشر فاجلس مع صديق له أو عدد من أصدقائه الذين يتداخلون معه . لذلك جاء أمر إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل بالوضوح الكامل ، وجاءت مسألة الحياة والموت بألفاظ يمكن أن يفهمها كل من العامة والخاصة . وإذا كانت تلك الظواهر هي بعض من قدرات اللّه فمن إذن يستكثر على اللّه قدرته في أنه يؤتى الملك من يشاء ، ويعز من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويذل من يشاء ؟ لقد جاء الدليل من الآيات الكونية ، ونراه كل يوم رأى العين . « قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ . . تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . إنك أنت يا اللّه ، الذي أجريت في كونك كل هذه المسائل وهي كلها أمور من الخير ، وإن بدا للبعض أن الخير فيها غير ظاهر . إن الإنسان عندما يرى في ابنه شيئا يحتاج إلى علاج فإنه يسرع به إلى الطبيب ويرجوه أن يقوم بكل ما يلزم لشفاء الابن ، حتى ولو كان الأمر يتطلب التدخل الجراحى . إن الأب هنا يفعل الخير للابن ، والابن قد يتألم من العلاج ، فإذا كان هذا أمر المخلوق في علاقته بالمخلوق ، فما بالنا بالخالق الأكرم الذي يجرى في ملكه ما يشاء ، إيتاء ملك أو نزعه ، وإعزازا أو إذلالا ، فكل ذلك لا بد أن يكون من الخير ، وآيات اللّه تشهد بأن اللّه على كل شئ قدير لذلك يأتي بعد الآية السابقة قوله :